العلامة المجلسي
116
بحار الأنوار
6 - ( باب ) * * " ( فضل صلاة الليل وعبادته ) " * الآيات : آل عمران : والمستغفرين بالأسحار ( 1 ) . وقال تعالى : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ( 2 ) . اسرى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما " محمودا " ( 3 ) .
--> ( 1 ) آل عمران : 17 . ( 2 ) آل عمران : 113 . ( 3 ) أسرى : 79 ، ومعنى التهجد هو النوم واليقظة يقال له بالفارسية ( بيدار خوابى ) قال الجوهري هجد وتهجد ، أي نام ليلا ، وهجد وتهجد : أي سهر ، وهو من الأضداد ، ومنه قيل لصلاة الليل التهجد . وعندي أن لغات الأضداد سواء كان في المصادر أو الأسماء هو اجتماع الضدين على الترتيب ، لا أنه يستعمل تارة في هذا وتارة في ضده ، من دون قرينة ، فالجون في الأسماء هو الأبيض والأسود كالذي فيه بياض وبجنبه سواد وهكذا ، وفي المصادر ومنه التهجد أن ينام الرجل نومة ويستيقظ فيسهر أخرى وهكذا ، وقد كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله كذلك في تهجده بعد نزول الآية الكريمة : روى الشيخ في التهذيب ( ج 1 ص 231 ) عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول - وذكر صلاة النبي صلى الله عليه وآله - قال : كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه ويوضع سواكه تحت فراشه ، ثم ينام ما شاء الله ، فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران " ان في خلق السماوات والأرض " الآيات ثم يستن ويتطهر ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءة ركوعه ، وسجوده على قدر ركوعه يركع حتى يقال : متى يرفع رأسه ويسجد حتى يقال : متى يرفع رأسه ، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران ، ويقلب بصره في السماء ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد ويصلى الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك ، ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ، ثم يستيقظ ويجلس ويتلو الآيات من آل عمران ويقلب بصره في السماء ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلى الركعتين ثم يخرج إلى الصلاة . وروى الكليني ( الكافي ج 3 ص 445 ) باسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله مثله ، وقال عليه السلام بعد ذلك : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، قلت : متى كان يقوم ؟ قال : بعد ثلث الليل ، وفي حديث آخر بعد نصف الليل . وروى في مشكاة المصابيح ( ص 107 ) عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال : ان رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال : قلت وأنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وآله : والله لأرمقن رسول الله صلى الله عليه وآله للصلاة حتى أرى فعله ، فلما صلى صلاة العشاء وهي العتمة اضطجع هويا " من الليل ثم استيقظ فنظر في الأفق فقال : ربنا ما خلقت هذا باطلا - حتى بلغ إلى - انك لا تخلف الميعاد ، ثم اهوى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فراشه فاستل منه سواكا " ثم أفرغ في قدح من أداوة عنده ماء فاستن ثم قام فصلى حتى قلت قد صلى قدر ما نام ثم اضطجع حتى قلت قد نام قدر ما صلى ثم استيقظ ففعل كما فعل أول مرة وقال مثل ما قال ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات قبل الفجر . رواه النسائي . وروى عن يعلى بن مملك أنه سال أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله عن قراءة النبي صلى الله عليه وآله وصلاته ، فقالت : وما لكم وصلاته ؟ كان يصلى ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ثم نعتت قراءته صلى الله عليه وآله فإذا هي قراءة مفسرة حرفا " حرفا " ، رواه أبو داود والنسائي . أقول : لا يذهب عليك أن صلاة الليل قد كانت فريضة عليه صلى الله عليه وآله قبل ذلك بآية المزمل : " قم الليل الا قليلا . . ورتل القرآن ترتيلا * ان ناشئة الليل هي أشد وطا " وأقوم قيلا " . وفي هذه الآية فرض عليه صلى الله عليه وآله التهجد بالليل ولذلك فرق النبي صلى الله عليه وآله صلاة ليله بين نومة ونومة ونومة على ما عرفت من معنى التهجد وشهدت به روايات الفريقين . وقوله عز وجل : " نافلة لك " ينظر إلى ما في قوله عز وجل قبل هذه الآية : " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا " والمراد بما افترض فيها عليه صلى الله عليه وآله إقامة صلاة المغرب وصلاة الفجر على ما عرفت في ج 82 ص 317 ، والمعنى أن هاتين الصلاتين اللتين فرض عليك إقامتهما في هاتين الوقتين كرامة مسبوقة وقد فرض على الأنبياء قبلك ، وسيفترضان على أمتك بالمدينة ، واما التهجد بالليل والصلاة خلال التهجد فهو زيادة على ذلك ، جعلناه عطية لك خاصة وكرامة خصصتك بها ، وعسى الله - عز وجل - أن يبعثك بهذه العطية والكرامة مقاما " محمودا " يغبطك به الأولون والآخرون .